الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
237
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا واقعة موقع البيان للغرض من التشبيه وهو نفي استواء حالهما ، ونفي الاستواء كناية عن التفضيل والمفضل منهما معلوم من المقام ، أي معلوم تفضيل الفريق الممثل بالسميع والبصير على الفريق الممثل بالأعمى والأصم . والاستفهام إنكاري . وانتصب مَثَلًا على التمييز ، أي من جهة حالهما ، والمثل : الحال . والمقصود تنبيه المشركين لما هم فيه من الضلالة لعلهم يتداركون أمرهم فلذلك فرع عليه بالفاء جملة أَ فَلا تَذَكَّرُونَ . والهمزة استفهام وإنكار انتفاء تذكرهم واستمرارهم في ضلالهم . وقرأ الجمهور « تذكرون » بتشديد الدال . وأصله تتذكرون ، فقلبت التاء دالا لقرب مخرجيهما وليتأتّى الإدغام تخفيفا . وقرأه حفص ، وحمزة ، والكسائي - بتخفيف الذال - على حذف إحدى التاءين من أول الفعل . وفي مقابلة الأعمى والأصم ب الْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ محسن الطباق . [ 25 ، 26 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 25 ) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 26 ) انتقال من إنذار المشركين ووصف أحوالهم وما ناسب ذلك إلى موعظتهم بما أصاب المكذبين قبلهم من المصائب ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم بما لاقاه الرّسل - عليهم السّلام - قبله من أقوامهم . فالعطف من عطف القصة على القصة وهي التي تسمى الواو الابتدائية . وأكدت الجملة بلام القسم و لَقَدْ لأن المخاطبين لما غفلوا عن الحذر مما بقوم نوح مع مماثلة حالهم نزلوا منزلة المنكر لوقوع رسالته . وقرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة إِنِّي بكسر الهمزة على أنه محكي بفعل قول محذوف في محل حال ، أي قائلا . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي ، وأبو جعفر ، ويعقوب ، وخلف - بفتح الهمزة - على تقدير حرف جرّ وهو الباء للملابسة ، أي أرسلناه متلبسا بذلك ، أي بمعنى